جامعات وهمية تستنزف أموال الأسر المصرية
جامعات وهمية تستنزف أموال الأسر المصرية
في إحدى البنايات المتهالكة في قلب مدينة الإسكندرية شمالي مصر،
تقف لافتة مضاءة بعناية تحمل اسمًا يرن ببريق أكاديمي فخم.
من يدخل باب هذه المنشأة لا يساوره الشك لحظة واحدة في أنه أمام صرح تعليمي مرموق؛
موظفون يرتدون زياً موحداً، وأجهزة حاسوب حديثة، وملصقات تُعلن عن قبول دفعة جديدة
من حاملي شهادة الثانوية العامة والدبلومات الفنية “بدون شرط المجموع”،
مع وعود براقة بمنح شهادات معتمدة، وتوفير فرص عمل فورية عقب التخرج.
لكن خلف هذه الديكورات التي أُتقن إخراجها، تجري واحدة من أكبر عمليات الاحتيال المنظم
التي تتجدد سنوياً بالتزامن مع موسم القبول بالجامعات والمعاهد في مصر،
حيث تتحول فترات التقديم للكليات وبدء تسجيل الرغبات للحصول على شهادة عليا
إلى مادة دسمة لـ “تجارة الوهم” وجذب مزيد من الضحايا بالترويج لشهادات غير معتمدة ومؤهلات مزيفة.
ومع تصاعد شكاوي عدد من المواطنين من الوقوع ضحية لعمليات النصب والاحتيال وضياع مستقبل أبنائهم في تعليم غير معترف به،
جامعات وهمية تستنزف أموال الأسر المصرية
أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية الأسبوع الماضي إغلاق عدد من تلك الأكاديميات التعليمية الوهمية،
بالتعاون مع الجهات المعنية بالدولة. وأصدرت الوزارة قوائم سوداء بأسماء المنشآت غير المرخصة
عبر موقعها وصفحتها الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي تتسبب في خسائر مادية ومعنوية للطلاب وأولياء الأمور.
يروي طالب من محافظة البحيرة، محمود صابر، تجربته داخل هذه الكيانات الوهمية
والتي تمارس أنشطة النصب والاحتيال على المواطنين والطلاب الراغبين في الحصول على شهادات جامعية وتستولي على أموالهم.
ويضيف: بعد حصوله على مجموع 53% في الثانوية العامة، سادت حالة من الحزن بيته،
ليجد في إعلان ممول على منصة “فيسبوك” حبل نجاة سحرياً ليحقق آماله وطموحات عائلته بالحصول على مؤهل عال.
الإعلان يضمن له الالتحاق بقسم “التمريض والتحاليل الطبية” مقابل مصروفات سنوية تبلغ 28 ألف جنيه
مفنداً كل مخاوفه بعبارة “معتمد من الجهات الحكومية وموثق من الخارجية”.
سارع والده، وهو فلاح بسيط، لسداد المصروفات ورسوم التسجيل.
مرت السنة الأولى والدراسة تعتمد على محاضرات سطحية في قاعات مستأجرة بنظام الساعة،
حتى جاءت لحظة الحقيقة أثناء طلب صابر لشهادة إثبات قيد للتقديم إلى مكتب التجنيد؛
هناك أخبره الموظف المختص بكل بساطة: “هذا المركز مجرد شركة تدريب خاصة
لا يمنح تأجيلاً للدفاع، والشهادة الصادرة عنه لا تزيد قيمتها عن ورقة طباعة عادية”.
لم تكن القصة التي عاشها الشاب المصري سوى حلقة في سلسلة طويلة
من الروايات المشابهة لضحايا هذه الكيانات التي تمارس أنشطة تعليمية دون ترخيص أو تروج لشهادات غير معتمدة.
وفي تتبع للمشهد التسويقي للمؤسسات المزيفة، يتبين أن خوارزميات المنصات الرقمية باتت الشريك الأبرز في اتساع رقعة الضحايا، إذ تستهدف الإعلانات الممولة بدقة الفئات العمرية بين 17 و20 عاماً في المحافظات،
وتحديداً أولئك الذين تتقاطع اهتماماتهم مع منصات نتائج الامتحانات.
جامعات تطلق حملات ترويج
وتعتمد هذه الحملات على ترسانة من العبارات التضليلية المحبوكة سيكولوجياً،
مثل “الفرصة الأخيرة قبل غلق باب التقديم”، و”قبول فور استلام المستندات”،
و”تسهيلات في السداد للظروف الاقتصادية”. كما يُستغل في كثير من الأحيان غياب الثقافة القانونية لدى أولياء الأمور،
حيث تُعرض عليهم أوراق ومستندات تشتمل على أختام بيضاوية أو تصاريح مزاولة تدريب صادرة عن جهات غير ذات اختصاص تعليمي، لإيهامهم بصلابة الوضع القانوني للأكاديمية.ب تنسيق القبول بالجامعات والمعاهد المصرية، أحمد الجيوشي،
أن الوزارة لا تتهاون في مواجهة أي كيان يمارس نشاطًا تعليميًا دون ترخيص أو يروج لشهادات غير معتمدة.
وأكد الجيوشي”، أن الطالب يجب أن يتأكد من اعتماد المؤسسة التعليمية قبل اتخاذ أي خطوة للالتحاق بها،
وأن يتحقق من اسمها من خلال القوائم الرسمية للمؤسسات المعتمدة الصادرة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
كما شدد على ضرورة الحذر الشديد من الإعلانات المضللة التي تروج لعبارات مثل “قبول مضمون” أو “شهادة معتمدة دوليًا” أو “التحق الآن قبل غلق باب التقديم”، موجهًا التنبيه للطلاب بعدم سداد أي رسوم أو مصروفات مالية قبل التأكد التام من الوضع القانوني والمؤسسي للجهة. وحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء الحكومي، بلغ إجمالي الطلاب المقيدين بالتعليم العالي 4 ملايين طالب خلال العام الدراسي (2024 /2025)،
جامعات وهمية تستنزف أموال الأسر المصرية
كما يصل عدد الجامعات في مصر إلى 135 جامعة حاليًا.
من جانبه، أكد المتحدث الرسمي لوزارة التعليم العالي، عادل عبد الغفار، في تصريحات صحافية،
نشر قائمة بمؤسسات التعليم العالي المُعتمدة في مصر، بكافة وسائل الإعلام
وعبر الموقع الإلكتروني الرسمي للوزارة وصفحات الوزارة على مواقع التواصل الاجتماعي،
مشيرًا إلى أن هذه القائمة يتم تحديثها بشكل مستمر، وفق القرارات الجمهورية الصادرة بإنشاء مؤسسات تعليم عال جديدة،
وصدور القرارات الوزارية بشأن بدء الدراسة بهذه المؤسسات. وأظهر البيان التحليلي لمشروع موازنة مصر، عن العام المالي 2025 /2026،
تراجع الإنفاق على التعليم بالنسبة إلى الناتج المحلي إلى أدنى مستوى خلال عشر سنوات مالية.
كما خصصت الموازنة العامة 315.095 مليار جنيه للإنفاق على التعليم، تمثل 1.54% من الناتج المحلي الإجمالي.



