وزير التعليم يكرّم السيدة صالحة مديرة مدرسة بعد مواجهتها مع محافظ القليوبية

وزير التعليم يكرّم السيدة صالحة مديرة مدرسة بعد مواجهتها مع محافظ القليوبية

استقبل وزير التربية والتعليم المصري محمد عبد اللطيف، اليوم الأربعاء، مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار،

صالحة عبد الفضيل، ومدير مدرسة برقطا، نادر علي، وكرّمهما تقديرا لجهودهما في العمل،

مؤكدا دعمه لهما، كما ناقش معهما المشكلات التي تواجه المدرستين وسبل معالجتها.

وعقب اللقاء، قالت صالحة: “حقي رجعلي.. وكنت بعمل لوجه الله فقط”.

لكن قصة صالحة لم تبدأ من مكتب الوزير؛ فقد سبق ذلك موقف جمعها بمحافظ القليوبية داخل مدرستها،

سرعان ما تحول إلى قضية رأي عام. فما الذي حدث؟

لم تكن الأستاذة صالحة عبد الفضيل، وهي تقف أمام محافظ القليوبية داخل مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار،

بدلتا النيل شمال العاصمة المصرية، تعلم أن دقائق قليلة ستنقلها من مكتب مديرة مدرسة حكومية إلى واجهة المشهد في مصر،

كما أن دفاعها عن مدرستها سيتحول إلى قضية رأي عام.

بدأت القصة بجولة مفاجئة أجراها المحافظ حسام عبد الفتاح، صباح الاثنين 7 سبتمبر/أيلول الجاري،

على عدد من المدارس، استعداداً للعام الدراسي الجديد. ودخل المحافظ، برفقة عدد من مساعديه والمصورين،

إلى المدرسة، حيث رصد أوجه قصور في النظافة وحالة المقاعد والمرافق ودورات المياه.

وزير التعليم يكرّم السيدة صالحة مديرة مدرسة بعد مواجهتها مع محافظ القليوبية

لم تنكر صالحة وجود المشكلات، لكنها قالت، وفق ما ظهر في المقاطع المتداولة وما نقلته وسائل إعلام خلال الساعات الماضية،

إنها خاطبت الجهات التعليمية أكثر من مرة لتوفير احتياجات المدرسة، وإنها اضطرت، برفقة وكيلة المدرسة،

إلى الإنفاق من مالهما الخاص لتغطية بعض النفقات. وقدّرت ما أنفقته بنحو 18 ألف جنيه مصري (نحو 353 دولارا)، وقدمت مستندات وفواتير وخطابات قالت إنها تؤيد روايتها.

وأشارت إلى الأوراق التي تحتفظ بها في مكتبها البسيط، لكن رد المحافظ جاء متهكماً:

“متفهمنيش إنك بتصرفي على الدولة يا أستاذة… بلاش كلام ميدخلش عقل عيل صغير”.

لم تتراجع صالحة. أخرجت الأوراق من مكتبها ووضعتها أمام المحافظ،

لتتحول المواجهة في تلك اللحظة من مجرد نقاش بشأن حالة المدرسة إلى سجال موثق بالمستندات.

وهنا انقلب المشهد الذي بدا أن المحافظ أراد توثيقه خلال جولته المفاجئة.

فقد كان قد وضع مكبر صوت “مايك” في عروة ملابسه الرسمية لتسجيل اللقاء،

لكن الكاميرا لم تعد توثق مسؤولا يرصد أوجه القصور في مدرسة، بل مواجهة مباشرة بين مسؤول ينتقد ومديرة ترد،

فيما دخلت المستندات طرفا ثالثا في النقاش. ليتدخل مساعد المحافظ محاولا إيقاف التصوير وإزالة “المايك” من عروة ملابسه، في مشهد زاد من حدة الجدل حول الواقعة.

ولم يكن مبلغ الـ18 ألف جنيه وحده ما أثار الغضب الشعبي تجاه محافظ يحاسب مديرة مدرسة على تقصير تقول إنها لم ترتكبه، بل كان السؤال الأبرز الذي طرحه المواطنون: لماذا تضطر مديرة مدرسة حكومية إلى الإنفاق من جيبها الخاص لتوفير احتياجات يفترض أن تتكفل بها المحافظة أو مديرية التربية والتعليم؟

وزير التعليم يكرّم السيدة صالحة مديرة مدرسة بعد مواجهتها مع محافظ القليوبية

وبحسب روايات منشورة عن الواقعة، وما ظهر في مقاطع الفيديو المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي،

قالت صالحة إنها أنفقت من مالها الخاص على احتياجات تتعلق بالمياه والكهرباء والصرف الصحي وأعمال الإصلاح،

كما إنها تقدمت بعدة مذكرات إلى الجهات التعليمية المختصة، من بينها طلبات لتوفير حارس للمدرسة.

هذه النقلة هي التي صنعت التعاطف مع صالحة. فهي لم تنكر أوجه القصور، ولم تتنصل من المسؤولية،

بل قالت إنها حاولت معالجتها، وخاطبت الجهات المختصة، وأنفقت من مالها الخاص، ثم قدمت ما لديها من مستندات لتدعيم روايتها.

ورأى معلمون وموظفون في صالحة صورةً لمعاناتهم اليومية؛ مسؤوليات كبيرة، وإمكانات محدودة، وضغط إداري لا يتوقف دائما عند حدود ما تستطيع المدرسة فعله. لذلك وصفها متابعون بأنها “مديرة مدرسة بـ100 راجل”، فيما رأى آخرون أن ما فعلته ليس بطولة استثنائية، بقدر ما هو دفاع عن عملها وعن المؤسسة التي تديرها.

لكن المفارقة بقيت واضحة: فالكاميرا التي بدأت بتوثيق جولة تفقدية لمسؤول يرصد أوجه القصور،

غيّرت اتجاه المواجهة تدريجيا. وضاعف التصوير أثر الواقعة، التي نقلها معاونون للمحافظ إلى الجمهور،

وأتاح للمتابعين تكوين انطباعاتهم بشأن طريقة تعامله مع المديرة. وهكذا جاءت النتيجة الإعلامية مختلفة عن الصورة التقليدية لجولة مسؤول يكتشف المخالفات ويحاسب المقصرين.

بدورها، دخلت نقابة المعلمين على خط القضية مساء الثلاثاء، إذ أعلن خلف الزناتي،

نقيب المعلمين ورئيس اتحاد المعلمين العرب، رفض النقابة لما وصفه بـ”أسلوب التعامل غير اللائق مع مديري المدارس”.

كما أعلن الزناتي تكريم صالحة عبد الفضيل وزميلها نادر علي، مدير مدرسة برقطا الابتدائية،

الذي تعرض هو الآخر لانتقادات خلال الجولة، بعدما وصفه المحافظ بأنه “مهمل” بسبب ارتدائه جلبابا أثناء وجوده في المدرسة.

لكن ما تكشف بعد الزيارة أظهر رواية مختلفة؛ إذ كان المدير يشارك في تنظيف المدرسة، قبل أن يسارع إلى ارتداء الجلباب فوق ملابس العمل التي كانت متسخة، حتى لا يظهر أمام المحافظ بملابس التنظيف.

وزير التعليم يكرّم السيدة صالحة مديرة مدرسة بعد مواجهتها مع محافظ القليوبية

وأعلنت النقابة كذلك أنها ستخاطب رئيس الوزراء للمطالبة بوضع إطار واضح ينظم الزيارات التفقدية للمدارس، وإقرار بروتوكول يحمي الموظف العام من تسلط رؤسائه. وهكذا، خرجت القضية من حدود الخلاف بين محافظ ومديرة مدرسة إلى نقاش أوسع حول كرامة المعلم، وحدود المحاسبة، وكيفية تعامل المسؤول التنفيذي مع العاملين في المؤسسات التعليمية.

كما فتحت الواقعة نقاشا واسعا حول موازنة التعليم وأوضاع المؤسسات التعليمية، وبلغت مخصصات التعليم قبل الجامعي والتعليم العالي في موازنة العام المالي 2026/2027 نحو 442.344 مليار جنيه مصري، أي ما يعادل نحو 8.64 مليارات دولار، بزيادة تقارب 20% مقارنة بالعام المالي السابق.

وقد يبدو الرقم كبيرا ومتزايدا، لكنه لا يعني بالضرورة أن كل مدرسة تحصل على موارد كافية لتغطية احتياجات التشغيل والصيانة. فالمخصصات تتوزع بين الأجور والكتب والتغذية والاستثمارات والبنية الأساسية، فيما تذهب نسبة محدودة إلى النفقات اليومية للمدارس، بما فيها فواتير المياه والكهرباء وصيانة المقاعد والمرافق، بما يدفع مديري المدارس إلى جمع تبرعات أو فرض إتاوات على أولياء الأمور تمكنهم من تدبير احتياجات المدرسة الأولية.

ووفقا لبيانات رسمية، بلغت موازنة الهيئة العامة للأبنية التعليمية نحو 25.5 مليار جنيه خلال العام المالي 2024/2025، وأعلن وزير التعليم محمد عبد اللطيف أنها وجهت لإنشاء نحو 30 ألف فصل دراسي، ضمن مشروع لبناء نحو 150 ألف فصل خلال عشر سنوات مضت، ليظل العجز في عدد الفصول اللازمة لنحو 24 مليونا من طلاب المراحل التعليمية قبل الجامعية عند 150 ألف فصل آخرين.

لكن بناء الفصول لا ينهي المشكلة. فبعد افتتاح المدارس الجديدة لا تتوافر الأموال من الموازنة العامة لوزارة التعليم لتعيين عمال نظافة ومساعدة فنية، لمتابعة عمليات الصيانة اليومية وإصلاح المقاعد وتجهيز المياه والأمن والنظافة.

وزير التعليم يكرّم السيدة صالحة مديرة مدرسة بعد مواجهتها مع محافظ القليوبية

ويزداد الضغط على مديري المدارس في ظل حديث وزير التعليم وعدد من النواب، خلال أغسطس/آب 2026، عن عجز يقدر بنحو 500 ألف معلم. وبينما وافقت الدولة على تعيين 30 ألفا على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، ظل العجز الكلي قائماً عند الرقم نفسه. وبينما ترفض الحكومة التعيينات وتفتح الباب أمام مديري المدارس والمعلمين المحالين للتقاعد للاستمرار في العمل بنظام ” الحصة”، بحد أقصى 1500 جنيه للمعلم بنهاية الشهر.

لم تصبح صالحة، مديرة مدرسة كفر الجزار، أيقونة لأنها “غلبت المحافظ” في الحوار، وإنما لأنها جسدت لحظة رأى فيها الجمهور موظفة تقف في الطرف الأضعف من ميزان السلطة، لكنها لا تنكر المشكلة ولا تهرب من المسؤولية،  بل تواجهها بالمستندات التي أرسلتها للإدارة التعليمية عدة مرات، ودفعت من مالها الخاص لتيسير أمور العمل، بينما المسؤولون يكتفون بلومها أو البحث عن مشكلة لإلقاء اللوم عليها.

خرجت صالحة من مواجهة لم تستغرق سوى دقائق بصورة مختلفة تماما، بعدما تحولت إلى أيقونة شعبية رأى فيها المعلم نفسه، والموظف جانبا من معاناته، وولي الأمر صورةً لمدرسة أبنائه، ومواطن يبحث عن إجابة لسؤال أكبر، إذا كانت الدولة تحاسب مديرة مدرسة على ما ينقصها، فمن يحاسب من يرفض توجيه الأموال لتلك الأشياء، بينما تنفق مليارات على مشروعات أخرى، تنمي كتل الحجر وتترك البشر غير قادرين على الحياة داخل أروقة المدارس؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى