المتحدة للخدمات الإعلامية… هل بدأت مرحلة تفكيك الإمبراطورية في مصر؟

المتحدة للخدمات الإعلامية… هل بدأت مرحلة تفكيك الإمبراطورية في مصر؟

تفتح التغييرات الواسعة التي شهدها مجلس إدارة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في مصر

الباب أمام مرحلة جديدة في واحدة من أكبر المنظومات الإعلامية التي أنشأتها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة،

وسط مؤشرات على انتقال الأولوية من التوسع وبناء النفوذ الإعلامي إلى إعادة الهيكلة

وضبط الإنفاق وربما تقليص النشاط، بحسب مصادر تحدثت إلى “العربي الجديد”.

كما أعلنت “المتحدة”، الخميس الماضي، التشكيل الجديد لمجلس إدارتها برئاسة سيف الوزيري،

الذي يشغل أيضاً منصب العضو المنتدب، وضم المستشار محمود فوزي، والمنتج تامر مرسي،

والرئيس التنفيذي للمصرف المتحد طارق فايد، والرئيس التنفيذي وعضو مجلس إدارة المجموعة المالية هيرميس كريم علي عوض،

ورئيسة مجلس إدارة منصة ووتش إت نشوى جاد، ومحمد يحيى لطفي، وأحمد علي عبد الرحمن، وشريف الخولي.

اللافت في التشكيل،  ليس فقط خروج أسماء كانت مرتبطة بالمرحلة السابقة،

وفي مقدمتها محمد السعدي، وإنما دخول شخصيات يغلب على خبراتها العمل القانوني والمالي والاستثماري وإدارة المؤسسات والأصول والمنصات الرقمية، ما قد يعكس تحولاً في وظيفة مجلس الإدارة، من إدارة ماكينة إعلامية آخذة في التوسع، إلى التعامل مع شركة تواجه أسئلة تتعلق بكلفة هذا التوسع وجدواه.

المتحدة للخدمات الإعلامية تعيّن سيف الوزيري رئيساً: ماذا بعد؟

وتقول المصادر إن الأزمة المالية التي تواجهها الشركة منذ فترة أصبحت أوضح

مع تراجع الدعم الذي كانت تحصل عليه في ظل إدارة فريق رئيس المخابرات العامة السابق اللواء عباس كامل،

سواء الدعم المالي أو السياسي، تزامناً مع خروج كامل وفريقه من إدارة الملفات التي ارتبطت به داخل المنظومة الإعلامية.

ولا توجد، في المقابل، بيانات مالية معلنة يمكن من خلالها التحقق بصورة مستقلة

من حجم الأزمة الحالية أو الخسائر المتداولة بشأن الشركة.

نشأت “المتحدة” في سياق مشروع بدأ منتصف العقد الماضي لتجميع عدد كبير من الأصول الإعلامية والإعلانية والإنتاجية

تحت مظلة واحدة. وكانت عملية الاستحواذ على “إعلام المصريين” ثم إدماجها مع كيانات أخرى،

من بينها “دي ميديا”، جزءاً من هذا المسار الذي انتهى إلى واحدة من أكثر المنظومات الإعلامية اتساعاً في مصر،

تضم قنوات تلفزيونية وصحفاً ومواقع إلكترونية وشركات إنتاج وإعلانات ومنصات رقمية ورياضية.

وارتبطت ملكية “إعلام المصريين” و”إيجل كابيتال” بمنظومة استثمارية مرتبطة بأجهزة الدولة،

بينما أصبحت “المتحدة” لاحقاً الكيان الأوسع الذي يضم هذه الأصول.

كما وصفت دراسات وتقارير إعلامية توسع “المتحدة” بأنه جزء من عملية تركيز ملكية وسائل الإعلام الخاصة في مصر.

يضم التشكيل الجديد خبرات قانونية ومالية واستثمارية أكثر من الإعلامية

وكان التوسع في الإنتاج الدرامي أحد أبرز مظاهر هذا المشروع. وتوضح بيانات بحثية حول صناعة الدراما المصرية أن “سينرجي”، التي بدأت إنتاج مسلسل أو اثنين سنوياً، قفز إنتاجها إلى سبعة مسلسلات في 2016،

ثم 17 في 2019 و25 مسلسلاً في 2020، في ذروة صعود النموذج الإنتاجي الذي ارتبط باسم تامر مرسي.

المتحدة للخدمات الإعلامية… هل بدأت مرحلة تفكيك الإمبراطورية في مصر؟

لكن هذا النموذج واجه أول اختبار كبير في 2021، عندما أُطيح مرسي من رئاسة “المتحدة” بعد موسم درامي أثار انتقادات كثيرة،

في ظل تقارير عن مراجعة ملفات إنتاجية ومالية. وكانت لجنة من جهات سيادية فحصت ملفات المجموعة، خصوصاً “سينرجي”،

وأن التحقيقات شملت أعمالاً مثل “نسل الأغراب” و”الملك ــ أحمس”، مع تقديرات لمبالغ محل التحقيق وصلت إلى نحو 800 مليون جنيه.

المفارقة أن الرجل الذي خرج من قمة المنظومة في 2021 وتوارى عن منصبه عضو مجلس إدارة غير مؤثر، عاد الآن إلى مجلس إدارتها.

ولا يعني التشكيل الجديد عودة مرسي إلى رئاسة الشركة؛ فهو واحد من أعضاء المجلس إلى جانب شخصيات مالية وقانونية واستثمارية، في حين بقي سيف الوزيري رئيساً وعضواً منتدباً. لكن عودته تحمل دلالة سياسية وإدارية، خصوصاً أن مرسي كان أحد أبرز مهندسي مرحلة الاحتكار الدرامي، وصاحب “سينرجي” التي تحولت في سنوات قليلة إلى اللاعب الأكبر في سوق الإنتاج التلفزيوني المصري.

سينما ودراما

الميكرودراما المصرية.. الحكاية وأحداثها في دقيقتين
فوزي، الذي تولى وزارة الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، يمتلك خبرة قانونية تتجاوز عقدين. وكان أميناً عاماً لمجلس النواب ومستشاراً قانونياً لرئيس المجلس خلال الفصل التشريعي الأول، كما عمل مستشاراً قانونياً لعدد من الوزراء، من بينهم وزراء الاستثمار والتجارة والصناعة والمالية والعدالة الانتقالية.

لم تقتصر مهمته على العمل الإداري داخل البرلمان؛ فقد شارك في أعمال مرتبطة بصياغة قوانين وقواعد حاكمة للعملية السياسية، من بينها قوانين مباشرة الحقوق السياسية ومجلس النواب وتقسيم الدوائر، كما شارك في أعمال اللجنة التي أسهمت في صياغة مشروع دستور 2014.

وخلال وجوده في الحكومة، كان فوزي أحد أبرز المسؤولين عن تمرير الملفات التشريعية للحكومة داخل البرلمان، بما في ذلك قانون الإجراءات الجنائية الجديد، كما شارك في ملف تعديل قوانين مجلس النواب وتقسيم الدوائر الانتخابية في 2025. ومن ثم، يضيف وجوده داخل “المتحدة” شخصية ذات خبرة طويلة في إدارة العلاقة بين السلطة التنفيذية والبرلمان وهندسة الأطر القانونية والمؤسسية، ولا سيما مع علاقته الجيدة بمدير مكتب الرئيس المستشار عمر مروان وهو الرجل الأقوى في الوقت الحالي.

المتحدة للخدمات الإعلامية… هل بدأت مرحلة تفكيك الإمبراطورية في مصر؟

تقول مصادر  إن فوزي مرشح لأن يكون “الرجل الأقوى” داخل مجلس الإدارة الجديد،

وإن وجوده يعكس رغبة في إحكام السيطرة المؤسسية والقانونية على مرحلة إعادة ترتيب الشركة،

أكثر مما يعكس رغبة في إدارة تفاصيل الإنتاج الإعلامي اليومية. وإذا كان فوزي يمثل البعد القانوني والسياسي،

فإن حضور طارق فايد وكريم علي عوض وشريف الخولي يلفت الانتباه إلى البعد المالي والاستثماري في التشكيل.

إعلام وحريات

حادث نويبع.. حين تتراجع الكارثة إلى الهامش في الإعلام المصري
يمتلك فايد خبرة مصرفية تقارب أربعة عقود، وعمل في البنك المركزي المصري

كما تولى منصب وكيل المحافظ للرقابة المكتبية ورقابة المخاطر، كما ترأس بنك القاهرة لسنوات قبل توليه منصبه الحالي رئيساً تنفيذياً وعضواً منتدباً للمصرف المتحد.

وشارك أيضاً في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي وفي أعمال مرتبطة بالاستقرار المالي والرقابة المصرفية.

أما كريم علي عوض، فهو الرئيس التنفيذي وعضو مجلس إدارة المجموعة المالية هيرميس،

ما يجعله صاحب خبرة مباشرة في الاستثمار والخدمات المالية وأسواق رأس المال.

وتظهر وثائق المجموعة المالية هيرميس اسمه ضمن قيادتها ومجالس إدارتها.

ويبرز كذلك اسم شريف الخولي، الشريك والمدير الإقليمي لمنطقة أفريقيا والشرق الأوسط في شركة أكتيس للاستثمار المباشر.

والخولي متخصص في الاستثمار المباشر والتمويل، وله خبرة طويلة في إدارة الاستثمارات والصفقات،

كما شارك في لجان استشارية حكومية مرتبطة بالاقتصاد الكلي، وهو عضو في مجالس إدارة مؤسسات وشركات عدة. والخولي ليس غريباً عن “المتحدة”؛ إذ كان عضواً في مجلس إدارتها في تشكيل سابق عام 2024.

وهنا تظهر إحدى أهم دلالات المجلس الجديد: ثلاثة أسماء على الأقل ذات ثقل مالي واستثماري إلى جانب شخصية قانونية ذات خبرة حكومية واسعة، في مقابل تراجع تمثيل الشخصيات المرتبطة مباشرة بالإنتاج الإعلامي والإعلاني، وهو ما يرجح ما هو متداول في سوق الإعلام والدراما عن “تفكيك الشركة” والاستغناء عن شركاتها التي حققت خسائر. واللافت أيضاً في التشكيل أن معظم هذه الأسماء عملت سابقاً في دول خليجية مثل السعودية والإمارات.

إعلام وحريات

“المتحدة” تطيح ثلاثة من ألمع مذيعيها وسط تحوّل في الإعلام المصري
في المقابل، تمثل نشوى جاد الجانب الرقمي في التشكيل الجديد. فقد ترأست مجلس إدارة “ووتش إت” وعضويتها،

كما عملت سابقاً في ملف السياسة العامة لمصر والسودان لدى “فيسبوك”، وتولت مهامَّ في وزارة الاتصالات،

ولديها خبرة في حوكمة الإنترنت والسياسات الرقمية والأمن السيبراني والعلاقات الدولية في قطاع الاتصالات.

وخلال إدارتها لـ”ووتش إت”، تبنت المنصة استراتيجية تقوم على إنتاج أعمال أصلية والاعتماد بصورة أكبر على المواهب الجديدة.

في الجانب الآخر من المعادلة، جاء خروج المنتج محمد السعدي من مجلس الإدارة، بعد أن كان أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالمنظومة خلال السنوات الماضية. وكان السعدي قد ارتبط بإنتاج عدد من الفعاليات الكبرى التي حظيت باهتمام رئاسي، وعلى رأسها احتفالية نقل المومياوات الملكية عام 2021. وقال السعدي، آنذاك، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان يتابع تفاصيل العمل على مدار أشهر، كما تحدث عن ملاحظات رئاسية على بعض تفاصيل الحفل.

وفي يوليو/تموز 2026، أعلنت “المتحدة” تعيين سيف الوزيري رئيساً للشركة بعد مرحلة انتقالية، وقالت إن محمد السعدي تقدم باعتذاره رغبةً منه في التفرغ لإدارة أعماله. وكانت الشركة قد كلفته قبل ذلك قائماً بأعمال رئيس مجلس الإدارة.

تقول مصادر  إن هذا التوصيف الرسمي لا يعكس بالضرورة كل ما جرى خلف الكواليس، مشيرة إلى أن مشاكل ارتبطت بإنتاج احتفالية افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية في يوليو/تموز الماضي سبقت إبعاد السعدي عن رئاسة الشركة، قبل أن يخرج لاحقاً من مجلس الإدارة.

المتحدة للخدمات الإعلامية… هل بدأت مرحلة تفكيك الإمبراطورية في مصر؟

تتزامن هذه التغييرات مع إجراءات داخلية تستهدف تقليص حجم العاملين والمتعاقدين
وجاء خروج السعدي بعد سنوات كانت فيها “سعدي ــ جوهر” من أبرز الأسماء التي تولت إنتاج الفعاليات الكبرى للدولة. وتولى الثنائي تنظيم وإنتاج مناسبات الدولة الكبرى، بدءاً من موكب المومياوات، وصولاً إلى فعاليات أخرى. ليس ذلك فقط، بل إنه في الآونة الأخيرة وقبل خروجه كان مسؤولاً عن ملف الدراما داخل المتحدة وأنتجت شركته بعض الأعمال الناجحة، وكان يتمتع بسطوة ونفوذ داخل المجلس. كذلك، برز من بين الأسماء التي أُطيحَتْ، المنتج عمرو الفقي الذي شغل سابقاً رئيس مجلس إدارة الشركة والعضو المنتدب.

تتزامن هذه التغييرات، بحسب مصادر “العربي الجديد”، مع إجراءات داخلية تستهدف تقليص حجم العاملين والمتعاقدين، من بينها قرار الاستغناء عن المتعاقدين والعاملين الذين تجاوزوا سن الـ60.

وأثار القرار غضب عدد من الأسماء الإعلامية، من بينهم الصحافي عادل حمودة، الذي كان مستشاراً لـ”القاهرة الإخبارية” ويقدم برنامجاً تلفزيونياً، والصحافي أكرم القصاص، الرئيس السابق لمجلس إدارة “اليوم السابع”، والمذيع جمال عنايت. وبحسب المصادر، نشر القصاص تدوينة عقب إبلاغه بالاستغناء عن خدماته، لوّح فيها بكشف ما وصفه بوجود فساد داخل الشركة، قبل أن يحذف المنشور لاحقاً. وتبدو هذه الوقائع، شأنها شأن الأزمة المالية وحجم الخسائر، جزءاً من عملية أوسع لخفض النفقات وإعادة تعريف حجم المنظومة.

ولا يمكن فصل هذه التحولات عن التغيير الأكبر الذي شهدته منظومة الإعلام المصرية منذ خروج اللواء عباس كامل من رئاسة جهاز المخابرات العامة في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، وما تبعه من تغييرات في فريقه المرتبط بالملف الإعلامي.

سينما ودراما

“نسور الجمهورية” المصرية… صورة الرئيس في ملامح الخوف
فقد كان عباس كامل أحد أبرز الشخصيات المرتبطة تاريخياً ببناء المنظومة الإعلامية التي توسعت منذ 2016، بينما كان العقيد أحمد شعبان من أبرز مساعديه على إدارة تفاصيل العلاقة مع وسائل الإعلام. وكانت تقارير صحافية دولية قد تحدثت في وقت سابق عن نفوذ واسع لضباط المخابرات داخل وسائل إعلام مرتبطة بالمنظومة. وبعد إبعاد كامل وشعبان، ظهرت مؤشرات على مراجعة طريقة إدارة الملف الإعلامي، وتحدثت مصادر إعلامية في نهاية 2024 عن مراجعات مالية وتنظيمية داخل “المتحدة”.

ومنذ ذلك الحين، تتابعت التغييرات، إذ تولى طارق نور رئاسة الشركة في نهاية 2024،

ثم محمد السعدي بصورة مؤقتة، قبل أن يستقر المنصب لدى سيف الوزيري في يوليو/تموز 2026.

أما التشكيل الحالي فيبدو أكثر وضوحاً في اتجاهه، إذ تراجع الإعلاميون والمنتجون،

بينما صعد القانونيون والمصرفيون ومديرو الاستثمار والمنصات الرقمية.

هل تتجه “المتحدة” إلى التفكيك؟

تقول مصادر  إن هناك اتجاهاً داخل بعض دوائر الدولة يميل إلى تصفية “المتحدة” بصورتها الحالية،

أو على الأقل تقليص نشاطها وإعادتها إلى حجم أقرب إلى ما قبل مرحلة التوسع الكبير،

بحيث يقتصر دورها على عدد محدد من الإنتاجات الدرامية وبعض الأصول الإعلامية الأساسية.

ولا توجد حتى الآن مؤشرات معلنة تثبت اتخاذ قرار نهائي بتصفية الشركة أو تفكيكها،

بل إن البيان الرسمي الصادر عن “المتحدة” يتحدث عن “استراتيجية” جديدة و”مواصلة العمل” و”البناء على ما تحقق”.

المتحدة للخدمات الإعلامية… هل بدأت مرحلة تفكيك الإمبراطورية في مصر؟

لكن اللافت أن التشكيل نفسه يمكن أن يُقرأ باعتباره مجلس إدارة لإعادة الهيكلة أكثر منه مجلس إدارة للتوسع.

فوجود فوزي في الجانب القانوني، وفايد وعوض والخولي في الجانب المالي والاستثماري، ونشوى جاد في المجال الرقمي،

إلى جانب استمرار سيف الوزيري في القيادة، يوحي بأن السؤال الذي يواجه الشركة لم يعد: كيف نكبر؟

وإنما: كيف نعيد ضبط الكيان، وما الذي يستحق أن يبقى داخله، وما الذي يمكن الاستغناء عنه أو تقليصه أو إعادة توظيفه؟

والسؤال الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة هو ما إذا كانت “المتحدة” ستحتفظ بوظيفتها

باعتبارها الإمبراطورية الإعلامية الأوسع نفوذاً في مصر، أم أن الدولة بدأت بالفعل في إعادة حساب كلفة هذه الإمبراطورية، تمهيداً لإعادتها إلى حجم أكثر تواضعاً، وربما أكثر قدرة على تحقيق عائد اقتصادي مباشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى