كشف فساد مسئول تنفيذي كبير سابق في هيئة الاستثمار ورئيس شركة بريد
كشف فساد مسئول تنفيذي كبير سابق في هيئة الاستثمار ورئيس شركة بريد
أحالت نيابة الأموال العامة العليا، أمس الأول الثلاثاء 23 يونيو 2026 نائب رئيس الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة
ورئيس مجلس الإدارة غير التنفيذي السابق لشركة البريد للاستثمار محمد مصطفى جاد،
هو والعضو المنتدب والرئيس التنفيذي السابق للشركة عماد عزت، إلى المحاكمة الجنائية.
وذلك في اتهامهما بتسهيل الاستيلاء على المال العام والإضرار بمصالح شركة مملوكة للدولة،
وذلك على خلفية ما كشفت عنه التحقيقات من منح مخصصات ومزايا مالية ومكافآت للعضو المنتدب السابق بالمخالفة للضوابط والقرارات الصادرة عن مجلس إدارة الشركة والجمعية العامة، في القضية رقم 32 لسنة 2026 جنايات أموال عامة عليا.
ورد اسم المتهم جاد في القضية باعتباره محبوسًا احتياطيًا، فيما أشارت التحقيقات إلى أن عزت يُعد هاربًا.
اللافت في أمر المتهم عماد عزت، هو مواجهته سابقًا لاتهامات بفساد مالي أثناء رئاسته لشركة “البريد للاستثمار” في عام 2020، بحسب ما نشرته تغطيات صحفية وقتها، قبل حذفها لاحقًا، لكن وزير التموين الحالي، ورئيس الهيئة القومية للبريد وقتها شريف فاروق،
أعاد تشكيل مجلس إدارة “البريد للاستثمار” في أبريل 2021، وعيَّنه عضوًا منتدبًا.
وقت مواجهة عزت لتلك الاتهامات، انتشر بين أوساط موظفي “البريد للاستثمار” أنه هرب،
لكن فاروق حرص حينها على الاجتماع معه بحضور موظفي الشركة، لـ”نفي الشائعات”.
لم توضح التغطيات الصحفية مسار التحقيقات بعد ذلك، لكن في عام 2022،
بعد بلاغات قُدَّمت ضد عزت، وتحريات من جهات أمنية أعادت نيابة الأموال العامة التحقيق في شبهات فساد مالي جرت في شركة البريد للاستثمار في عامي 2018، و2019 قبل إحالتها للمحاكمة أمس.
“البريد للاستثمار” هي الذراع الاستثمارية للهيئة القومية للبريد،
ويبلغ رأسمالها المدفوع 6.24 مليار جنيه، ووصل حجم استثماراتها في سبتمبر 2024، إلى 7.5 مليار جنيه.
اتهامات بالاستيلاء على أموال عامة
◾ يواجه جاد اتهامات تتعلق بتسهيل الاستيلاء بغير حق على مبلغ مالي قدره 18 مليونًا و589 ألفًا و869 جنيهًا لصالح عزت،
فضلاً عن اتهامات بالتزوير في محررات خاصة بإحدى الشركات المساهمة
التي تمتلك الدولة نصيبًا في رأس مالها واستعمال تلك المحررات فيما زُورت من أجله.
وذكرت النيابة أن جاد “استغل اختصاصاته الوظيفية والتفويض الممنوح له من مجلس الإدارة،
وأبرم مع عزت عقدًا بتاريخ 31 يناير 2018، تضمّن مخصصات ومزايا مالية
تزيد على ما وافق عليه مجلس الإدارة في اجتماعه رقم 108 المنعقد في 20 ديسمبر 2017”.
وبحسب ما ورد بأمر الإحالة، فإن تلك المزايا والمخصصات جرى منحها دون عرضها على مجلس الإدارة أو الجمعية العامة للشركة ودون الحصول على موافقتهما، وهو ما اعتبرته النيابة وسيلة مكّنت المتهم الثاني من الحصول على مبالغ مالية لا يستحقها قانونًا.
وأكدت أقوال الشهود عن وجود اختلافات جوهرية بين المخصصات التي وافق عليها مجلس الإدارة وبين المزايا التي تضمنها العقد محل التحقيق.
فبحسب قرار مجلس الإدارة رقم 108 في ديسمبر 2017، كان من المقرر أن يحصل العضو المنتدب على راتب شهري شامل قدره 85 ألف جنيه، إضافة إلى مكافأة ربع سنوية بنسبة 1% من صافي الأرباح حتى 100 مليون جنيه، و0.75% فيما يزيد على ذلك.
إلا أن العقد المبرم بين المتهمين تضمّن، وفقًا لأقوال الشهود، منحه راتبًا شهريًا صافيًا قدره 150 ألف جنيه مع زيادة سنوية بنسبة 10%، فضلًا عن مكافآت ربع سنوية بنسبة 2% من صافي الأرباح حتى 200 مليون جنيه.
ومزايا أخرى شملت استخدام سيارة الشركة بصورة دائمة، والحصول على مزايا العاملين بالشركة، وتعويض يعادل ستة أشهر من آخر راتب في حال إنهاء التعاقد، ورأت التحقيقات أن هذه البنود تجاوزت بكثير ما وافق عليه مجلس الإدارة.
اتهامات بـ”تزوير محررات رسمية”.. وتضليل الجهاز المركزي للمحاسبات
لم تتوقف الاتهامات عند حدود المخالفات المالية، إذ نسبت النيابة إلى المتهمين ارتكاب جرائم تزوير واستعمال محررات مزورة.
وقالت التحقيقات إن المتهمين قاما بإثبات بيانات ومخصصات مالية داخل العقد المبرم بينهما تخالف ما اعتُمدت رسميًا من مجلس إدارة الشركة، بما يظهر تلك المخصصات المخالفة وكأنها صحيحة ومشروعة.
كما اتهمت النيابة المتهمين بالاشتراك في إعداد ردود موجهة إلى الجهاز المركزي للمحاسبات بشأن ملاحظات الجهاز على القوائم المالية للشركة عن عامي 2018 و2019، تضمنّت -بحسب ما ورد بالتحقيقات- بيانات اعتبرتها النيابة مخالفة للحقيقة، من بينها الإشارة إلى أن التعاقد تم استنادًا إلى تفويض مفتوح من مجلس الإدارة، وأن المجلس أُحيط علمًا بالعقد في اجتماعات لاحقة.
وترى النيابة أن تلك الردود استخدمت للاحتجاج أمام الجهاز المركزي للمحاسبات والجمعيات العامة للشركة، رغم ما انتهت إليه التحقيقات من عدم صحتها.
وبدوره أوضح “المركزي للمحاسبات” أنه رصد ملاحظات تتعلق بمغايرة المخصصات الواردة بالعقد لما سبق اعتماده من مجلس الإدارة.
وأُثيرت هذه الملاحظات خلال اجتماعات الجمعية العامة للشركة؛ إذ جرى تكليف الإدارة التنفيذية بتشكيل لجنة لمعالجة تلك الملاحظات ورفع نتائج أعمالها إلى مجلس الإدارة، غير أن التحقيقات تشير إلى أن الملاحظات استمرت دون معالجة فعلية، وأن صرف المزايا والمخصصات استمر رغم الاعتراضات الرقابية المثارة.
أدلة على ارتكاب المتهمَيْن للجريمة
جاءت أقوال محامي شركة البريد للاستثمار محمد عمر، في مقدمة أدلة الإثبات التي استندت إليها النيابة، مؤكدًا ما جاء بالتحقيقات.
كما أشار كذلك إلى أن مجلس الإدارة عاد في اجتماعه رقم 124 بتاريخ 14 أغسطس 2018 لتفويض رئيس المجلس بإبرام تعاقد مع العضو المنتدب،
وهو ما اعتبره دليلاً على أن العقد السابق لم يكن معلومًا للمجلس ولم يُعرض عليه.
كما أدلى أحمد محمود محمد عبدالله، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي السابق للشركة،
بأقوال متوافقة مع ما ورد بشهادة الشاهد الأول، مشيرًا إلى وجود ما وصفه بازدواجية في صرف المكافآت،
من خلال الجمع بين المكافآت الربع سنوية ونصيب العضو المنتدب من توزيعات الأرباح، رغم ارتباط الأمر بمصدر ربح واحد.
ومن جانبه، قال المدير المالي لشركة البريد للاستثمار مصطفى محمد أحمد قشقوش،
إن مراجعة محاضر اجتماعات مجلس الإدارة أظهرت عدم عرض العقد محل التحقيق على المجلس.
كما أوضح أن اجتماعات مجلس الإدارة التي اعتمدت القوائم المالية لم تتضمن أي تفاصيل
بشأن قيمة المكافآت الربع سنوية أو نسبتها، وإنما تضمنت أرقامًا إجمالية للبنود المالية دون تفصيل.
وأضاف أن المتهم الثاني (عماد عزت) حصل على مكافآت ربع سنوية
بلغ إجماليها نحو 14 مليونًا و777 ألفًا و572 جنيهًا خلال أعوام 2019 و2020 و2021.
كما كشف عن حصوله على توزيعات أرباح بلغت أكثر من 5.3 مليون جنيه في عام 2019 ونحو 4.5 مليون جنيه في عام 2020.
كشف فساد مسئول تنفيذي كبير سابق في هيئة الاستثمار ورئيس شركة بريد
كما أكد عدد من أعضاء مجلس الإدارة السابقين بأن العقد محل الاتهام لم يُعرض على مجلس الإدارة قبل إبرامه أو بعده.
وأكد الشهود أن مجلس الإدارة كان قد حدد المخصصات المالية للعضو المنتدب
بشكل واضح في الاجتماع رقم 108، وأن أي تعديل عليها كان يستلزم العودة إلى المجلس والحصول على موافقته.
كما أشار بعضهم إلى أن العضو المنتدب السابق اعترض على المخصصات المقررة وطالب بامتيازات إضافية،
وأن رئيس مجلس الإدارة السابق رفض التوقيع على مشروع عقد تضمن مزايا تتجاوز ما وافق عليه المجلس.
ولفت الشهود أيضًا، إلى أن المجلس لم يُخطر بالتوقيع على العقد خلال الاجتماع رقم 126،
وأن الردود المرسلة إلى الجهاز المركزي للمحاسبات لم تُعرض على المجلس
أو توافق عليها لجنة المراجعة والحوكمة بالشكل الذي ادعته الإدارة التنفيذية.
إفادات البنوك تدين المتهمَيْن
ضمّت التحقيقات إفاداتٍ تفصيليةً من عدة بنوك، بينها البنك التجاري الدولي،
والبنك المصري الخليجي، وبنك التعمير والإسكان، تضمنت بيانات التحويلات المالية التي تمت لصالح المتهم الثاني.
وبحسب ما ورد في أوراق القضية، بلغ إجمالي المبالغ المحولة إلى المتهم الثاني،
خلال الفترة من نوفمبر 2018 حتى أكتوبر 2021، نحو 31 مليونًا و437 ألفًا و63 جنيهًا صافيًا، بعد خصم الضرائب.
وشملت تلك المبالغ رواتبَ ومكافآتٍ ربع سنوية، ومنحًا ومكافآتٍ استثنائية،
وتوزيعاتِ أرباحٍ، مع إرفاق نماذج التحويلات البنكية وبيانات الصرف وتواريخها.
وأكدت النيابة أن هذه المستندات تمثل دليلًا على تنفيذ العقد محل التحقيق، وما ترتب عليه من آثار مالية.
اعترافات المتهمَيْن
أشارت أوراق التحقيق إلى أن جاد أقر بعلمه بالمخصصات التي سبق أن حددها مجلس الإدارة للمتهم الثاني،
كما أقر بأنه وقع العقد بعد الاطلاع عليه، وذكر أن العقد تضمن البنود الواردة بقرار مجلس الإدارة ولكن مع تعديل قيمها المالية.
كما أقر بعلمه بالملاحظات التي أثارها الجهاز المركزي للمحاسبات بشأن اختلاف المخصصات الواردة بالعقد عن تلك المعتمدة من مجلس الإدارة،
وأضافت الأوراق أنه أبدى في ختام أقواله رغبته في سداد المبالغ التي انتهت التحقيقات إلى صرفها بالمخالفة.
وكشفت أوراق القضية عن تقديم طلب من وكيل المتهم الثاني عماد عزت إلى نيابة الأموال العامة العليا،
تضمن إبداء رغبة موكله في سداد المبالغ التي قد تنتهي التحقيقات إلى إلزامه بردها.
غير أن النيابة انتهت في أمر الإحالة إلى وجود أدلة كافية على ارتكاب الجرائم المنسوبة إلى المتهمين،
وأحالت القضية إلى محكمة الجنايات للفصل فيها.
وطالبت النيابة بإلزام المتهمين برد مبلغ 18 مليونًا و589 ألفًا و869 جنيهًا بالتضامن بينهما،
فضلًا عن توقيع غرامة مساوية لقيمة المبلغ محل الاتهام، وذلك حال ثبوت الاتهامات أمام المحكمة المختصة.
هذه الواقعة تُعدّ إحدى العدسات التي يمكن النظر من خلالها إلى وقائع الفساد المختلفة المنتشرة في العمل الحكومي؛
إذ تشير البيانات الدولية إلى احتلال مصر مراتب متأخرة في معدلات انتشار الفساد؛ وخلال العام الماضي 2025،
احتلت مصر المرتبة 130 من بين 182 دولة، في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.



