عفت عزمي يكتب : لماذا يهاجر المصري من وطنه

عفت عزمي يكتب : لماذا يهاجر المصري من وطنه
كلامي عن الصورة التى علي غلاف المقال
بين صورتين: الحب في العلن والوصاية في الظلام
مدخل: مشهدان، عالمان مختلفان
في مدينة براجا التشيكية، التُقطت صورة لرجل ينام مستندًا على كتف زوجته داخل حافلة عامة،
بينما تحتضنه بحنان دون أن يلتفت إليهما أحد. مشهد عادي في مجتمعات تفهم أن الحب ليس شيئًا يجب إخفاؤه،
بل هو جزء من الحياة الطبيعية التي لا تستوجب تعليقًا أو استهجانًا.
لكن على الجانب الآخر، في مصر، وقعت حادثة مختلفة تمامًا حين تعرض رجل وزوجته
للاعتداء اللفظي والجسدي داخل حافلة لأن زوجته أراحت رأسها على كتفه.
لم يكن هذا الاعتداء مجرد فعل فردي، بل امتد إلى وسائل التواصل الاجتماعي،
حيث تعرض الرجل للسخرية، وكأن التعبير عن الحب علنًا يُعتبر جريمة أخلاقية.
هذه المقارنة ليست سطحية، بل تكشف عن فجوة ثقافية عميقة بين مجتمع يمنح أفراده الحرية في التعبير عن مشاعرهم،
ومجتمع آخر يعاني من ثقافة وصاية متجذرة، تجعل من الحب في الفضاء العام شيئًا محظورًا أو مدانًا.
ثقافة الوصاية: من أين جاءت؟
في كثير من المجتمعات المحافظة، بما في ذلك مصر، لا تزال هناك فكرة مترسخة
بأن “الأخلاق العامة” تعني التدخل في حياة الآخرين ومراقبة سلوكياتهم.
هذه الذهنية تجعل الناس يشعرون بأنهم مخوّلون للحكم على الآخرين والتدخل في قراراتهم الشخصية،
حتى لو لم يكن هناك أي أذى أو تجاوز حقيقي للقوانين.
هذا السلوك يعود إلى مجموعة من العوامل:
1. الدين والتفسير الاجتماعي له: رغم أن الأديان تدعو إلى التسامح واحترام الآخرين،
إلا أن بعض التفسيرات تُستخدم لفرض وصاية على السلوكيات الفردية.
2. التقاليد والعادات: في بعض البيئات، تُعتبر المودة العلنية شيئًا مستهجنًا، حتى لو لم تكن هناك قاعدة واضحة تمنعها.
3. غياب مفهوم الخصوصية الشخصية: في المجتمعات ذات النزعة الجماعية،
يشعر الناس بأنهم جزء من حياة بعضهم البعض، مما يؤدي إلى التدخل المفرط في الشؤون الخاصة.
الحب بين السرية والعلن
ما حدث في مصر يعكس أزمة في مفهوم الحب نفسه. في الوقت الذي تُملأ فيه الشوارع بإعلانات أفلام رومانسية،
وتُذاع الأغاني التي تتغنى بالحب، نجد أن المجتمع نفسه يرفض رؤية الحب في الواقع.
هذا التناقض يعكس فصامًا اجتماعيًا: الناس يتحدثون عن الحب، لكنهم يرفضون رؤيته يُمارس بحرية.
في الدول التي تتمتع بمستويات عالية من الحريات الفردية، مثل التشيك والدول الاوربية وأمريكا،
لا يحتاج الناس إلى إخفاء مشاعرهم. لا يشعر أي شخص أنه بحاجة إلى تبرير لحظة حب مع شريكه،
لأنه ببساطة يعيش في مجتمع يفهم أن هذه الأمور طبيعية. أما في المجتمعات المقيدة،
فحتى أبسط أشكال الحنان تُواجه بالوصم والانتقاد، مما يؤدي إلى تحويل الحب إلى شيء سري يُمارَس في الخفاء.
لماذا يهاجر الناس؟
الكثير من المصريين يغادرون بلادهم ليس فقط بسبب الظروف الاقتصادية،
بل أيضًا بحثًا عن مساحة شخصية آمنة، حيث يمكنهم العيش دون تدخل الآخرين في حياتهم.
هناك شيء مرهق في أن تعيش في مجتمع يتدخل في كل تفاصيلك، من طريقة ملابسك إلى تعبيرك عن مشاعرك.
الهجرة ليست دائمًا هروبًا من الفقر، بل أحيانًا تكون هروبًا من القيود الاجتماعية،
من النظرات التي تراقبك، ومن القوانين غير المكتوبة التي تحدد لك كيف تعيش حياتك.
خاتمة: صورة تساوي ألف كلمة
الصورة القادمة من التشيك ليست مجرد لقطة عاطفية، بل هي شهادة على الفارق بين مجتمع يقدّس الحرية الشخصية، وآخر يفرض الوصاية على الحب. السؤال هنا ليس عن الصورة فقط،
بل عن مدى استعداد المجتمعات لتقبل فكرة أن الحب يجب أن يكون حرًا، لا أن يُحاصر بنظرات الرقابة والاستنكار.
في النهاية، الأمر لا يتعلق فقط بحق شخصين في التعبير عن مشاعرهما،
بل بحق كل فرد في أن يكون على طبيعته دون خوف من أحكام الآخرين.
وهذا هو الفرق الجوهري بين المجتمعات التي تعيش بحرية، وتلك التي تعيش في أقفاص صنعتها بنفسها.